العلامة المجلسي

328

بحار الأنوار

يكون نفوسا لها وهذا هو القول بالتناسخ ، وإما أن لا تصير وهذا هو الذي مال إليه ابن سينا والفارابي من أنها تتعلق بأجرام سماوية لاعلى أن يكون نفوسا لها مدبرة لأمورها ، بل على أن يستعملها لامكان التخيل ، ثم تتخيل ، الصور التي كانت معتقدة عندها وفي وهمها فيشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما يخيلها ، قالوا : ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأدخنة من غير أن يقارن مزاجا يقتضي فيضان نفس إنسانية . ثم إن الحكماء وإن لم يثبتوا المعاد الجسماني والثواب والعقاب المحسوسين فلم ينكروها غاية الانكار بل جعلوها من الممكنات لا على وجه إعادة المعدوم ، وجوزوا حمل الآيات الواردة فيها على ظواهرها ، وصرحوا بأن ليس مخالفا للأصول الحكمية والقواعد الفلسفية ، ولا مستبعد الوقوع في الحكمة الإلهية ، لان للتبشير والانذار نفعا ظاهرا في أمر نظام المعاش وصلاح المعاد ، ثم الايفاء بذلك التبشير والانذار بثواب المطيع وعقاب العاصي تأكيد لذلك وموجب لازدياد النفع فيكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين ، وإن كان ضرا في حق المعذب ، فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه شر قليل ، بمنزلة قطع العضو لصلاح البدن انتهى . ونحوا من ذلك ذكر الشيخ ابن سينا في رسالة المبدء والمعاد ولم يذكر هذا التجويز ، وإنما جوزه في الشفاء خوفا من الديانين في زمانه ، ولا يخفى على من راجع كلامهم وتتبع أصولهم أن جلها لا يطابق ما ورد في شرائع الأنبياء ، وإنما يمضغون ببعض أصول الشرائع وضروريات الملل على ألسنتهم في كل زمان حذرا من القتل والتكفير من مؤمني أهل زمانهم ، فهم يؤمنون بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم كافرون ولعمري من قال : بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، وكل حادث مسبوق بمادة ، وما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وبأن العقول والأفلاك وهيولى العناصر قديمة ، وأن الأنواع المتوالدة كلها قديمة وأنه لا يجوز إعادة المعدوم ، وأن الأفلاك متطابقة ، ولا تكون العنصريات فوق الأفلاك ، وأمثال ذلك كيف يؤمن بما أتت به الشرائع ونطقت به الآيات وتواترت به الروايات من اختيار الواجب وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما